ابن أبي الحديد
151
شرح نهج البلاغة
وكان يقال : ينبغي لمن صحب السلطان أن يستعد للعذر عن ذنب لم يجنه ، وأن يكون آنس ما يكون به ، أوحش ما يكون منه . وكان يقال : شدة الانقباض من السلطان تورث التهمة ، وسهولة الانبساط إليه تورث الملالة . وكان يقال : اصحب السلطان بأعمال الحذر ، ورفض الدالة ، والاجتهاد في النصيحة ، وليكن رأس مالك عنده ثلاث : الرضا ، والصبر ، والصدق . واعلم أن لكل شئ حدا ، فما جاوزه كان سرفا ، وما قصر عنه كان عجزا ، فلا تبلغ بك نصيحة السلطان أن تعادي حاشيته وخاصته وأهله ، فإن ذلك ليس من حقه عليك ، وليكن أقضى لحقه عنك ، وأدعى لاستمرار السلامة لك ، أن تستصلح أولئك جهدك ، فإنك إذا فعلت ذلك شكرت نعمته ، وأمنت سطوته ، وقللت عدوك عنده ، وإذا جاريت عند السلطان كفؤا من أكفائك فلتكن مجاراتك ومباراتك إياه بالحجة ، وإن عضهك ( 1 ) ، وبالرفق وإن خرف بك . واحذر أن يستلحك فتحمى ، فان الغضب يعمى عن الفرصة ، ويقطع عن الحجة ، ويظهر عليك الخصم ، ولا تتوردن على السلطان بالدالة وإن كان أخاك ، ولا بالحجة وإن وثقت انها لك ، ولا بالنصيحة وإن كانت له دونك ، فإن السلطان يعرض له ثلاث دون ثلاث : القدرة دون الكرم ، والحمية دون النصفة ، واللجاج دون الحظ .
--> ( 1 ) عضهك : كذبك .